دراسات إسلامية

 

أبو محمد الحريري: حياته ومقاماته

446-516هـ = 1054-1122م

بقلم : الحافظ الدكتور سعيد الرحمن فيضي الندوي (كندا)

 

 

شهد تاريخ الأدب العربي أعلاماً بارزين في فنونه المختلفة، وأثرى هؤلاء النبغاء مكتبة الأدب الغربي بذخائر كتبهم وثرواتهم العلمية، ولاشك أن جهوده هذه مشكورة. إن الأسلوب في الواقع تابع للكاتب والبيئة التي يعيشها، فالذين عاشوا في الزمن الجاهلي سواء كانوا شعراء أو أدباء يحملون أسلوباً يملؤه البساطة والسذاجة مع اختيار الأمانة والصدق في تراثهم، وامتاز أسلوبهم بالبداوة العربية والسمات المختصة بهذا العصر، والذين وجدوا الإسلام وعاشوا فيه تأثر أسلوبهم بالقرآن والحديث وهكذا دواليك. فكان العصر الذي عاشه أبومحمد الحريري عصر الانحطاط من حيث الأسلوب، وقد رأى المؤرخون من قبل العصر الجاهلي والإسلامي والعباسي نظماً ونثراً وشعراً وأدباً، وكان من أعلام هذه العصور امرؤالقيس وحسان بن ثابت والفرزدق وجرير، وعبدالحميد الكاتب، وعبدالله  بن المقفع والجاحظ ابن العميد والصاحب بن العباد، ثم جاء  عصر الحريري الذي نبغ فيه بديع الزمان الهمذاني، وأبوبكر الخوارزمي، والقاضي الفاضل، وقد تحدث عن هذا العصر الأستاذ أحمد حسن الزيات فقال:

     «الحريري كاتب مكثر وشاعر مقل كالبديع، وهو من ساقة أتباع ابن العميد، ومن الممهدين لظهور الطريقة الفاضلية بالقصد إلى البديع، والبلاغة في الصنعة والإفراط في تدبيج اللفظ، والتفريط في جانب المعنى، حتى تراءت معانيه من خلال ألفاظه عليلة ضئيلة كالعروس المسلولة، جملوها بالأصباغ وأثقلوها بالغلائل والحلي، وشعره كنثره في الكلف بالبديع والعناية باللفظ وضع منه كثيراً في ثنايا المقامات وجمع في ديوان خاص».

ولادته ونسبه:

     كما ذكر «محمد زاهد» في مقاله: إن في السادس من رجب من عام 516هـ توفي في البصرة، عن 90 عاماً، العلامة الأديب اللغوي البارع أبو محمد الحريري، القاسم بن علي بن محمد بن عثمان البصري الحرامي الحريري، مؤلف مقامات الحريري. والحرامي نسبة إلى محلة بالبصرة سكنتها قبيلة بنو حرام من العرب، فنسبت إليهم. والحريري عربي يعود نسبه إلى ربيعة بن نزاربن معد بن عدنان المعروف بربيعة الفَرَس.

     ولد الحريري في قرية المَشَّان، وهي بلدة قريبة من البصرة كثيرة التمر والرطب والفواكه، تتصف بوخامة الهواء وملوحة الماء وكثرة المرض، ودرس في البصرة على أبي تمام محمد بن الحسن بن موسى، وأبي القاسم الفضل بن محمد القصباني الضرير، المتوفى سنة 444، وكان عالماً باللغة والأدب، واسع العلم، غزير الفضل، إماماً في علم العربية، وإليه كانت الرحلة في زمانه، وبه تخرج الحريري في الأدب.

     وهناك إشكال في تاريخ ولادة الحريري، الذي هو فيما يبدو مبني على قول ابن السمعاني المولود سنة 506هـ والمتوفى سنة 562هـ: سألت أبا القاسم بن أبي محمد الحريري عن وفاة أبيه، فقال: توفي سنة 516هـ ببني حرام، من البصرة، وسألته عن مولده، فقال: لا أدري، غير أنه كان له وقت أن توفي في سنة سبعين من عمره. وهذا يقتضي أنه ولد في سنة 546هـ، فكيف يدرس على أبي القاسم القصباني الضرير المتوفى قبل ذلك بسنتين؟! ولعله توفي وهو في التسعين التي تصحفت إلى السبعين، فهو على الأغلب مولود سنة 526هـ، والله أعلم.

دراسته:

     وتابع الحريري طلب العلم في بغداد، فرحل إليها، وقرأ النحو على الإمام النحوي المفسر «علي بن فضال المُجاشعي»، صاحب التفاسير، المتوفى سنة 479هـ، ودرّس الفقه الشافعي على الفقيه الكبير ابن الصباغ، عبد السيد بن محمد، المولود سنة 400هـ والمتوفى سنة 477هـ، وهو أول من درّس بالمدرسة النظامية ببغداد، ودرس الحريري الفقه كذلك على الأستاذ أبي إسحاق الشيرازي، إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي الشيرازي، العلامة المناظر، والزاهد الصابر، والشاعر الناثر، المولود سنة 393هـ والمتوفى سنة 476هـ، وأخذ علم الفرائض والمواريث عن الفقيه عبد الله الخبري، عبد الله بن إبراهيم، المتوفى سنة 476هـ.

فن المقامات:

     وقد عُرِف الحريري - رحمه الله - بمقاماته، وهي قصص مسجوعة، تقع حوادث كل قصة في مكان تنسب إليه المقامة، وهي من قمم الأدب في الصنعة اللغوية والإتقان، إلى جانب السبك القوي وامتلاك ناصية الكلام، ولا يتسع المقام للحديث عن المقامات التي ينبغي ألا يغفل عن قراءتها متأدب أو متعلم، وأكتفي بإيراد قصيدة زهدية للحريري في المقامة البصرية أدعوك أن تقرأها بتمهل وتدبر لتستجلب معانيها وتتمتع بمغانيها:

     خلِّ ادّكارَ الأرْبُعِ ... والمعْهَدِ المُرتَبَعِ... والظّاعِنِ المودِّعِ ... وعدِّ عنْهُ ودَعِ.

     وانْدُبْ زَماناً سلَفا ... سوّدْتَ فيهِ الصُّحُفا ... ولمْ تزَلْ مُعتكِفًا ... على القبيحِ الشّنِعِ.

     كمْ ليلَةٍ أودَعْتَها ... مآثِماً أبْدَعْتَها... لشَهوَةٍ أطَعْتَها ... في مرْقَدٍ ومَضْجَعِ.

     وكمْ خُطًى حثَثْتَها ... في خِزْيَةٍ أحْدَثْتَها... وتوْبَةٍ نكَثْتَها ... لمَلْعَبٍ ومرْتَعِ.

     وكمْ تجرّأتَ على ... ربّ السّمَواتِ العُلى... ولمْ تُراقِبْهُ ولا ... صدَقْتَ فيما تدّعي.

     وكمْ غمَصْتَ بِرّهُ ... وكمْ أمِنْتَ مكْرَهُ... وكمْ نبَذْتَ أمرَهُ ... نبْذَ الحِذا المرقَّعِ.

     وكمْ ركَضْتَ في اللّعِبْ ... وفُهْتَ عمْداً بالكَذِبْ... ولمْ تُراعِ ما يجِبْ ... منْ عهْدِهِ المتّبَعِ.

     فالْبَسْ شِعارَ النّدمِ ... واسكُبْ شآبيبَ الدّمِ... قبلَ زَوالِ القدَمِ ... وقبل سوء المصْرَعِ.

     واخضَعْ خُضوعَ المُعترِفْ ... ولُذْ مَلاذَ المُقترِفْ... واعْصِ هَواكَ وانحَرِفْ ... عنْهُ انحِرافَ المُقلِعِ.

     إلامَ تسْهو وتَني ... ومُعظَمُ العُمرِ فَني... في ما يضُرّ المُقْتَني ... ولسْتَ بالمُرْتَدِعِ.

     أمَا ترَى الشّيبَ وخَطْ ... وخَطّ في الرّأسِ خِطَطْ... ومنْ يلُحْ وخْطُ الشّمَطْ ... بفَودِهِ فقدْ نُعي.

     ويْحَكِ يا نفسِ احْرِصي ... على ارْتِيادِ المَخلَصِ... وطاوِعي وأخْلِصي ... واسْتَمِعي النُّصْحَ وعي.

     واعتَبِرِي بمَنْ مضى ... من القُرونِ وانْقَضى... واخْشَيْ مُفاجاةَ القَضا ... وحاذِري أنْ تُخْدَعي.

     وانتَهِجي سُبُلَ الهُدى ... وادّكِري وشْكَ الرّدى... وأنّ مثْواكِ غدًا ... في قعْرِ لحْدٍ بلْقَعِ.

     آهاً لهُ بيْتِ البِلَى ... والمنزِلِ القفْرِ الخَلا... وموْرِدِ السّفْرِ الأُلى ... واللاّحِقِ المُتّبِعِ.

     بيْتٌ يُرَى مَنْ أُودِعَهْ ... قد ضمّهُ واسْتُودِعَهْ... بعْدَ الفَضاء والسّعَةْ ... قِيدَ ثَلاثِ أذْرُعِ.

     لا فرْقَ أنْ يحُلّهُ ... داهِيَةٌ أو أبْلَهُ... أو مُعْسِرٌ أو منْ لهُ ... مُلكٌ كمُلْكِ تُبّعِ.

     وبعْدَهُ العَرْضُ الذي ... يحْوي الحَييَّ والبَذي... والمُبتَدي والمُحتَذي ... ومَنْ رعى ومنْ رُعي.

     فَيا مَفازَ المتّقي ... ورِبْحَ عبْدٍ قد وُقِي... سوءَ الحِسابِ الموبِقِ ... وهوْلَ يومِ الفزَعِ.

     ويا خَسارَ مَنْ بغَى ... ومنْ تعدّى وطَغى... وشَبّ نيرانَ الوَغى ... لمَطْعَمٍ أو مطْمَعِ.

     يا مَنْ عليْهِ المتّكَلْ ... قدْ زادَ ما بي منْ وجَلْ... لِما اجتَرَحْتُ من زلَلْ ... في عُمْري المُضَيَّعِ.

     فاغْفِرْ لعَبْدٍ مُجتَرِمْ ... وارْحَمْ بُكاهُ المُنسجِمْ... فأنتَ أوْلى منْ رَحِمْ ... وخيْرُ مَدْعُوٍّ دُعِي.

شهرة المقامات:

     وأنشأ الحريري مقاماته، فاشتُهرت بين أهل العلم والأدب، وكان وقعها في المجتمع - ولا مقارنة - أشبه بالمسلسلات التلفازية التي يعكف عليها الناس اليوم، ففي كل مقامة قصة، تنتهي بموقف غير متوقع من بطل المقامات أبي زيد السَّروجي، وهو شخص حقيقي شاهده الحريري يستجدي المحسنين في فصاحة وبلاغة، فبنى على شخصه المقامات، و«سروج» بلد في جنوب «تركية» مقابل عين العرب السورية لا يزال اسمها اليوم Suruç، قال «عبد الله ابن الحريري»: كان أبي جالسًا في مسجده ببني حرام فدخل شيخ ذو طمرين، عليه أهبة السفر، رث الحال، فصيح الكلام، حسن العبارة، فسألته الجماعة: من أين الشيخ؟ فقال: من سروج، فاستخبروه عن كنيته فقال: أبو زيد. قال الحريري نفسه: كان أبو زيد السروجي شحاذًا بليغًا، ومُكديًا فصيحًا، ورد البصرة علينا، فوقف في مسجد بني حرام، فسلم، ثم سأل، وكان الوالي حاضرًا، والمسجد غاص بالفضلاء، فأعجبتهم فصاحته، وذكر أسر الروم ولده كما ذكرنا في المقامة الحرامية، فاجتمع عندي جماعة، فحكيت أمره، فحكى لي كل واحد أنه شاهد منه في مسجد مثل ما شاهدت، وأنه سمع منه معنى في فصل، وكان يغير شكله، فتعجبوا من جريانه في ميدانه، وتصرفه في تلونه، وإحسانه، وعليه بنيت هذه المقامات.

منهج المقامات:

     واختار الحريري لمقاماته راوياً يقصها على المستمعين أسماه حارث بن همَّام، واستقى ذلك من حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: أصدق الأسماء حارث وهمام. لأن كل أحد إما حارث وهو الفاعل، أو همام من الهمة.

أول مقامة كتبها الحريري:

     ولم تكن في البداية 50 مقامة كما هي اليوم، بل كانت أولها المقامة الحرامية نسبةً إلى أن أحداثها جرت في بني حرام، وهي المقامة الثامنة والأربعون، وتذكر كثير من المراجع أن الوزير «شرف الدين أنوشروان بن خالد القاشاني» وزير الخليفة المسترشد، المتوفى سنة 533هـ، اطلع عليها وأعجبته فأشار عليه بأن يعمل غيرها على منوالها، ويقتفي أثر رائد أدب المقامات: بديع الزمان الهمذاني، أحمد بن الحسين المولود سنة 358هـ والمتوفى سنة 398هـ، وأنهما المعنيان بقول الحريري في خطبة الكتاب، أي مقدمته، فأشار من إشارته حُكْم، وطاعته غُنم، إلى أن أنشئ مقامات أتلو فيها البديع، وإن لم يدرك الظالع شأو الضليع. والضليع الذي يعنيه الحريري هنا هو بديع الزمان الهمذاني الذي كتب أكثر مقاماته ارتجالاً، وكان ربما يكتب الكتاب مبتدئًا بآخر سطوره ثم هلم جرًا إلى السطر الأول فيخرجه ولا عيب فيه.

     ولكن «ابن خلكان» يقول في وفيات الأعيان: وجدت في عدة تواريخ أن الحريري صنف المقامات بإشارة أنوشروان، إلى أن رأيت بالقاهرة نسخة بخط المصنف، وقد كتب أنه صنفها للوزير جلال الدين أبي علي الحسن بن صدقة وزير المسترشد، المتوفى سنة 522هـ، فهذا أصح، لأنه بخط المصنف. ويؤيد ما ذهب إليه «ابن خلكان» أن الوزير «أنوشروان» ولي وزارة السلطان «محمود بن محمد بن ملكشاه» سنة 517هـ، أي بعد وفاة الحريري، رحم الله الجميع.

     كان الحريري - رحمه الله - متواضعاً على نهج السلف الصالح؛ كلما ازدادوا علماً ازدادوا تواضعاً، لم يكتف بما قال في المقدمة من أنه لن يدرك شأو بديع الزمان، بل أتبع ذلك بقوله: هذا مع اعترافي بأن البديع - رحمه الله - سبَّاق غايات، وصاحب آيات، وأن المتصدي بعده لإنشاء مقامة، ولو أوتي بلاغة قُدامة، لا يغترف إلا من فُضالته، ولا يسري ذلك المسرى إلا بدَلالته.

     وقد ختم الحريري المقامات بقوله: هذا آخر المقامات التي أنشأتها بالاغترار،. وأمليتها بلسان الاضطرار، وقد أُلجِئتُ إلى أن أرصدتُها للاستعراض، وناديتُ عليها في سوق الاعتراض، هذا مع معرفتي بأنها من سقَط المتاع، ومما يستوجب أن يباع ولا يبتاع، ولو غشيني نورُ التوفيق، ونظرت لنفسي نظرَ الشفيق، لسترتُ عَواري الذي لم يزل مستورًا. ولكنْ كان ذلك في الكتاب مسطوراً، وأنا أستغفر الله - تعالى - مما أودعتها من أباطيل اللغو، وأضاليل اللهو، وأسترشده إلى ما يعصم من السهو، ويحظي بالعفو، إنه هو أهل التقوى وأهل المغفرة، ووليُّ الخيرات في الدنيا والآخرة.

المقامات الأخرى:

     وقد كانت مقامات الحريري أمراً عجباً، دان الأدباء بفضلها وإعجازها، وحمل الحريري أربعين مقامة من البصرة إلى بغداد وعرضها على أدبائها، فلم يصدِّقه جماعة منهم، وقالوا: إنها ليست من تصنيفه، بل هي لرجل مغربي من أهل البلاغة مات بالبصرة ووقعت أوراقه إليه فادعاها، فاستدعاه الوزير إلى الديوان وسأله عن صناعته، فقال: الأدب، فاقترح عليه إنشاء رسالة في واقعة عينها، فانفرد في ناحية من الديوان، وأخذ الدواة والورقة ومكث زماناً كثيرًا فلم يفتح الله - سبحانه - عليه بشيء من ذلك، فقام وهو خجلان، فقال أحد الشعراء يعرض به إذ يأتيه الإلهام في بلده «مَشان» وهو عيٌّ في بغداد:

شيخ لنا من ربيعة الفَرَس ... ينتف عُثنونه من الهوس

أنطقه الله بالمشان كما ... رماه وسط الديوان بالخرس

     فلما رجع الحريري إلى بلده عمل عشر مقامات أُخر وسيرهن، واعتذر من عيه، وحصره في الديوان بما لحقه من المهابة، وكان الحريري مولعاً بنتف لحيته إذا أخذ في التفكير، ولهذا أشار الشاعر، ويقال: إن الأمير نهاه عن نتف لحيته وتوعده، فتكلم يومًا بشئ أعجب الأمير، فقال: سلني ما شئت، قال: أقطعني لحيتي! فضحك، وقال: قد فعلت.

     والمقامات في ثيابها القشيبة المنسوجة في دار الطراز البلاغية، والمستمدة وشيها من ثراء اللغة العربية بالألفاظ والمترادفات، لم تكن معزولة عن واقعها كما يظلمها بقوله بعض منتقديها في العصر الحديث، فقد كتبها الحريري تعبيراً عن مجتمع متعدد الوجوه، وذكر فيها كثيراً من شخصيات تلك الحقبة.

     وقدم الحريري إلى بغداد سنة 500هـ، وحدث بها بجزء من حديثه وبمقاماته، ومَثَلُها مثل الأعمال الخالدة لم تخل المقامات من منتقد ومعترض، وكان أول من اعترض عليه معاصره ابن الخشاب النحوي اللغوي المتهتك، عبد الله بن أحمد المتوفى سنة 567هـ، حيث أبرز ما اعتبره أخطاءً للحريري، فتصدى له معاصره الإمام النحوي اللغوي ابن بري، أبو محمد عبد الله بن بري المقدسي المصري، المتوفى سنة 576هـ أو 582هـ، ثم جاء بعده بقرابة قرنين شهاب الدين الحجازي، أحمد بن محمد الأنصاري الخزرجي المصري الشافعي الأديب البارع المفنن، المولود سنة 790هـ والمتوفى سنة 875هـ، فانتصر كذلك للحريري، وكتب كتاباً أسماه «أجوبة اعتراضات ابن الخشاب على الحريري».

     وكان معاصره الإمام جار الله الزمخشري، محمود بن عمر، المولود سنة 467هـ والمتوفى سنة 538هـ، من أئمة العلم بالدين والتفسير واللغة والآداب، فلما اطلع على المقامات استحسنها، وكتب على نسخة منها:

أقسم بالله وآياته... ومَشعر الحج وميقاته

إن الحريري حري بأن... نكتب بالتبر مقاماته

عناية الناس بالمقامات:

     وتناقل المتأدبون وطلبة العلم هذه المقامات، وحرصوا على سماعها من منشئها، حتى قال هو: كتبت خطي إلى هذا اليوم على 700 نسخة قرئت علي، وانتقلت المقامات في أنحاء بلاد الإسلام من خراسان إلى الأندلس بالرواية المثبتة الموثقة السند، فقد سمعها من الحريري كبار أدباء عصره وكثير من متأدبته، ونقلها العلماء والأدباء طبقة إلى طبقة، وتنقل كتب التراجم والتاريخ أن آخر من رواها عن الحريري كان الشيخ «أبا الطاهر بركات الخُشوعي الرّفاء الدمشقي»، وأن الحريري أجازه سنة 512هـ من البصرة،  ثم تذكر هذه المراجع نفسها أن أبا الطاهر ولد بدمشق سنة 510هـ، وتوفي سنة 598هـ، فهذه إجازة لصغير غير مميز تخل بمفهوم الإجازة المتبع في ذلك الزمان، على أن من أورد ذلك لا يشير إلى ذلك من قريب أو بعيد.

     وكثيراً ما تكون الرواية مبنية على التحرير والبحث والاستفادة، والقصد منها تدريب اللسان على النطق الصحيح، وضبط الألفاظ، وتطويع الملكة الأدبية، وتعلم اللغة والنحو والأدب، فدرَّسها العلماء والأدباء في دروسهم للتلاميذ على اختلاف دراساتهم ومشاربهم، يتوافدون عليهم سنة بعد سنة ينهلون من هذا المعين الثّر.

     وأصبحت المقامات كتاباً يحفظه المتأدبون لما فيه من القصص اللطيفة والنكت اللغوبة والفوائد العلمية والمحسنات البديعية، وبقي هذا ديدنهم جيلاً بعد جيل واستمر بعد وفاة الحريري بقرون، ويروي «الزركلي» أن الأستاذ «محمد كرد علي»، المولود سنة 1293= 1876 والمتوفى سنة 1372 = 1953، كان يحفظ أكثر شعر المتنبي ومقامات الحريري، ثم كانت مفردات المقامات، تضايقه حين يكتب.

     وتولى مقامات الحريري بالشرح علماء اللغة والأدب قرناً بعد قرن، من الهند إلى الأندلس، مذهولين ببراعتها مأخوذين بجمالها معجبين بدقائقها اللغوية، فلا يخلو جيل من شرح لها جديد يحل مشكلها ويبرز محاسنها بما يناسب العصر وأهله، من تطويل وتقصير، واهتمام بالبلاغة أو النحو أو اللغة، ولا نبالغ إن قلنا أن لها ما ينوف على مئة شرح، ومن أبرز شراحها أحمد بن عبد المؤمن القيسي الشريشي الأندلسي، المولود سنة 557هـ والمتوفى سنة 619هـ، وله ثلاثة شروح أشهرها «الكبير» في مجلدين، و«وسط» وهو اللغوي، والثالث صغير، وهو «المختصر».

     وغني عن القول أن كثيراً من أدباء عصر الحريري ومن تلاهم إلى يومنا هذا، حذوا حذو الحريري، فأنشأوا مقامات، قصيرة القامات، تحمل ذات الإسم ولكنها تخالفها في الجسم، وقد قال المتنبي:

وقد يتقارب الوصفان جدّاً ... وموصوفاهما متباعدان

     وينبغي أن نذكر هنا الطبيب النصراني أبا العباس ابن ماري،  يحيى بن سعيد بن ماري، المتوفى بالبصرة سنة 589هـ، الذي أنشأ ستين مقامة على نسق مقامات الحريري، تعرف بالمقامات النصرانية، جاء في مقدمتها: أما بعد فيقول الفقير إلى سوابغ آلاء الباري، أبوالعباس، يحيى بن سعيد بن ماري، العربي نسباً، النصراني مذهباً.

     وذكر ياقوت الحموي في معجم الأدباء في ترجمة شميمٍ الحلي، علي بن الحسن، اللغوي الشاعر، المتوفى سنة 601هـ: وكنت قد وردت إلى آمد في شهور سنة 544هـ، فرأيت أهلها مطبقين على وصف هذا الشيخ، فقصدت إلى مسجد «الخضر» ودخلت عليه فوجدته شيخاً كبيراً قضيف الجسم في حجرة من المسجد، وبين يديه جامدان مملوء كتباً من تصانيفه فحسب، فسلمت عليه وجلست بين يديه ... فلما ذكرت له المعرى نهرني وقال لي: ويلك كم تسيء الأدب بين يدي، من ذلك الكلب الأعمى حتى يذكر بين يدي في مجلسي؟ فقلت: يا مولانا! ما أراك ترضى عن أحد ممن تقدم؟ فقال: كيف أرضى عنهم وليس لهم ما يرضيني؟ قلت: فما فيهم قط أحد بما يرضيك؟ فقال: لا أعلمه إلا أن يكون المتنبي في مديحه خاصة، وابن نباتة في خطبه، وابن الحريري في مقاماته فهؤلاء لم يقصروا. قلت له: يا مولانا قد عجبت إذ لم تصنف مقامات تدحض بها مقامات الحريري، فقال لي: يابني! اعلم أن الرجوع إلى الحق خير من التمادي على الباطل، عملت مقاماتٍ مرتين فلم ترضني فغسلتها، وما أعلم أن الله خلقني إلا لأظهر فضل ابن الحريري. ولشميم الحلي شرح لمقامات الحريري مخطوطته موجودة في تركية.

     وقد قام عدد من الخطاطين الفنانين بكتابة نسخ مصورة من المقامات، تصور أبطال المقامة أو بعض مشاهد قصصها، منها مخطوطة نفيسة في المكتبة الوطنية بباريس، وأخرى في المتحف البريطاني رسمها «عمر بن علي بن المبارك الموصلي»، المتوفى سنة 654هـ، وثالثة في مكتبة فيينا.

     وكان القاضي العلامة «أحمد بن عمر المدحجي» الشافعي الزبيدي الشهير بالمُزَجَّد، المولود سنة 847هـ والمتوفى بزبيد في اليمن سنة 930هـ، إذا سئم من القراءة والمطالعة استدعى بمقامات الحريري فيطالع فيها ويسميها طبق الحلوى، وقال فيها:

أحب مقامات الحريري لأنها

لدى مسمعي أحلى من المن والسلوى

وقد قال قبلي ابن العجيل لصحبه

بغير تحاش هذه طبق الحلوى

وما قال إلا الحق والله أنها

لأحلى من الحلوى ومِن وصل من أهوى

     وبعد هذا كله يحق لنا أن نقول: إن الحريري ينافس المتنبي أو يسبقه في أن يكون مالئ الدنيا وشاغل الناس، وليست مقامات الحريري مؤلفه الوحيد، بل له مجالس أدبية أملاها بالبصرة كان نتاجها كتابه اللطيف الذي تناول ما يقع به المتأدبون من أخطاء والذي أسماه درة الغواص في وهم الخواص، وبيَّن سبب تأليفه في خطبة الكتاب: رأيت كثيرًا ممن تسنموا أسنمة الرتب، وتوسموا بسمة الأدب، قد ضاهوا العامة في بعض ما يفرط من كلامهم، وترعف به مراعف أقلامهم... فدعاني الأَنف لنباهة أخطارهم والكلف بإطابة أخبارهم، إلى أن أدرأ عنهم الشبه، وأبين ما التبس عليهم واشتبه، لألتحق بمن زكى أكل غرسه، وأحب لأخيه ما يحب لنفسه... فإن حلى بعين الناظر فيه و الدارس، وأحله محل القادح لدى القابس، وإلا فعلى الله تعالى أجر المجتهد وهو حسبي وعليه أعتمد.

     وله كذلك كتاب مُلحة الإعراب، وكتاب توشيح البيان، وله شعر حسن في ديوان، وديوان رسائل. وقد نسب له الأستاذ الزركلي خطأً أوسهواً كتاب صدور زمان الفتور وفتور زمان الصدور، في التاريخ، وهو للوزير أنوشروان.

     وإلى جانب مؤلفاته الخالدة خلَّف الحريري ولدين هما: أبو العباس محمد، وعبد الله المولود سنة 490هـ، ونزل بغداد وسكنها، وروى بها عن والده كتبه  مثل المقامات ودرة الغواص وملحة الإعراب.

     كان الحريري زري اللباس فيه بخل، مع أنه كان غنياً له 18000 نخلة، وذكروا أنه جاءه غريب يزوره، ويأخذ عنه شيئًا، فلما رآه استقبح منظره، واستزراه، ففهم ذلك الحريري منه، فأملى عليه قوله:

ما أنت أول سارٍ غرَّه قمرٌ

ورائد أعجبته خضرة الدمن

فاختر لنفسك غيري إنني رجل

مثل المُعيدي فاسمع بي ولا ترني

*  *  *

*  *

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، جمادى الأولى 1435 هـ = مارس 2014م ، العدد : 5 ، السنة : 38